الفيروز آبادي
306
بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز
وأنّها إنّما حصلت له بتوفيق اللّه ، ومشيئته ؛ ولو خلّى ونفسه لم يسمح بها البتّة . فإذا رآها من نفسه ، وغفل عن منّة اللّه عليه ، تاب من هذه الرّؤية والغفلة . ولكن هذه الرّؤية ليست التّوبة ولا جزأها ، ولا شرطها ، بل جناية أخرى حصلت له بعد التوبة ، فيتوب من هذه الجناية ؛ كما تاب من الجناية الأولى . فما تاب إلّا من ذنب أوّلا ، وآخرا . والمراد التّوبة من نقصان التوبة وعدم توفيتها حقّها . ووجه ثالث لطيف . وهو أنّه من حصل له مقام الأنس باللّه - تعالى - وصفاء وقته مع اللّه - تعالى - بحيث يكون إقباله على اللّه ، واشتغاله بذكر آلائه وأسمائه وصفاته ، أنفع شئ له ، متى « 1 » نزل عن هذا « 2 » الحال اشتغل بالتّوبة من جناية سالفة ، قد تاب منها ، وطالع الجناية ، واشتغل بها عن اللّه تعالى ، فهذا نقص ينبغي أن يتوب إلى اللّه منه . وهي توبة من هذه التّوبة ، لأنّه نزول من الصّفاء إلى الجفاء . فالتّوبة من التوبة إنما تعقل على أحد هذه الوجوه الثلاثة . واللّه أعلم . واعلم أنّ صاحب البصيرة إذا صدرت منه الخطيئة فله في توبته نظر إلى أمور . أحدها النظر إلى الوعد والوعيد فيحدث له ذلك خوفا ، وخشية تحمله على التوبة . الثاني : أن ينظر إلى أمره تعالى ونهيه فيحدث له ذلك الاعتراف بكونها خطيئة ، والإقرار على نفسه بالذنب . الثالث : أن ينظر إلى تمكين اللّه تعالى إيّاه منها ، وتخليته بينه وبينها ،
--> ( 1 ) ا ، ب : « حتى » ( 2 ) ب : « هذه »